الدول ذات معدلات السمنة المرتفعة وأسبابها
ما هي الدول التي ترتفع فيها معدلات السمنة
قد يخطر في البال عند الحديث عن الدول الأعلى في معدلات السمنة عالميًا بعض دول أمريكا الشمالية فقط، لكن الواقع أن هذه الدول تنتشر على نطاق أوسع بين دول جزر المحيط الهادئ، وبعض دول الشرق الأوسط، ومنطقة الكاريبي، وبعض الدول المتقدمة. وعلى وجه الخصوص، تُذكر دول جزر المحيط الهادئ مثل ناورو، وجزر كوك، وبالاو، وجزر مارشال، وتوفالو، وساموا كثيرًا بوصفها من الدول التي ترتفع فيها معدلات السمنة لدى البالغين بشكل كبير.
وتشترك هذه الدول في عدة سمات. فقد تراجعت أنماط الغذاء التقليدية بسرعة، وارتفع الاعتماد على الأغذية المصنعة المستوردة، كما أن التحضر وتغير أنماط الحياة أدّيا في كثير من الحالات إلى انخفاض مستوى النشاط البدني. كذلك، فإن صغر مساحة بعض هذه الدول أو ضعف قاعدة إنتاج الغذاء فيها يجعل من السهل أن تصبح الأطعمة الرخيصة وعالية السعرات هي محور النظام الغذائي، وهو ما يعكس خصائص بنيوية واضحة.
كيف تُقاس معدلات السمنة
تُقاس معدلات السمنة عادةً بالاعتماد على مؤشر كتلة الجسم (BMI, Body Mass Index). ويُحسب مؤشر كتلة الجسم بقسمة الوزن بالكيلوغرام على مربع الطول بالمتر، ويُصنَّف عادةً BMI 30 فأكثر على أنه سمنة، و25 فأكثر على أنه زيادة في الوزن. وفي المقارنات الدولية، يُعرض عادةً معدل السمنة في الدولة على أنه نسبة البالغين الذين يبلغ مؤشر كتلة الجسم لديهم 30 فأكثر.
لكن يجب الحذر عند المقارنة بين الدول. فمؤشر كتلة الجسم سهل الاستخدام وشائع، لكنه لا يعكس بما يكفي توزيع الدهون في الجسم، وكتلة العضلات، والخصائص الجسدية المرتبطة بالعرق أو الإثنية. فمثلًا، قد تختلف المخاطر الصحية رغم تساوي مؤشر كتلة الجسم. كما أن بعض الإحصاءات تعتمد على الطول والوزن المبلّغ عنهما ذاتيًا، بينما تستخدم إحصاءات أخرى بيانات مقاسة فعليًا، ما قد يؤدي إلى اختلاف الأرقام.
وعند النظر إلى معدلات السمنة، من الأفضل أيضًا التحقق من الأمور التالية:
- هل القياس يخص البالغين فقط أم يشمل الأطفال والمراهقين؟
- ما سنة القياس؟
- هل هناك فرق كبير بين الرجال والنساء؟
- هل ترتفع أيضًا السمنة البطنية، ومعدل انتشار السكري، ونسبة زيادة الوزن، وليس BMI فقط؟
ترتيب الدول الأعلى في معدلات السمنة
تظهر دول متشابهة في المراتب العليا بشكل متكرر في بيانات المنظمات الدولية وقواعد البيانات الصحية. وقد تختلف التفاصيل الدقيقة في الترتيب بحسب المصدر والسنة، لكن هيمنة دول جزر المحيط الهادئ على المراتب الأولى تبدو واضحة جدًا.
ومن الدول التي تُذكر كثيرًا بوصفها ذات معدلات سمنة مرتفعة ما يلي:
- ناورو
- جزر كوك
- بالاو
- جزر مارشال
- توفالو
- ساموا
- تونغا
- كيريباتي
- ولايات ميكرونيسيا المتحدة
- بعض دول الخليج مثل الكويت وقطر
- الولايات المتحدة
وعند النظر إلى الاتجاهات الإقليمية، فإن المنطقة الأبرز بلا شك هي دول جزر المحيط الهادئ في أوقيانوسيا. تليها بعض الدول النفطية في الشرق الأوسط التي تسجل معدلات سمنة مرتفعة، بينما تُذكر أمريكا الشمالية عبر الولايات المتحدة بوصفها المثال الأبرز. أما أوروبا، فرغم ارتفاع معدلات السمنة في بعض دولها، فإنها لا تهيمن على المراتب العليا بالقدر نفسه الذي تهيمن به دول المحيط الهادئ.
ولا يمكن تفسير هذا الترتيب ببساطة على أنه نتيجة «الأكل الكثير» فقط. فعدد كبير من الدول المتصدرة يشترك في مشكلات متشابهة تتعلق بنظام الغذاء، وبنية التجارة، وإمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية، والبيئة المعيشية.
لماذا ترتفع معدلات السمنة في هذه الدول
أحد أكبر الأسباب هو التغير السريع في العادات الغذائية. فالنظام الغذائي الذي كان يعتمد تقليديًا على الأسماك، والمحاصيل الجذرية، والفواكه، وجوز الهند، والمنتجات الزراعية المحلية، تحول تدريجيًا إلى نظام يعتمد على الكربوهيدرات المكررة، والمشروبات عالية السكر، والوجبات السريعة، والأطعمة فائقة المعالجة. وهذه الأطعمة عالية السعرات ومنخفضة الكثافة الغذائية مقارنةً بالشبع، ما يجعل زيادة الوزن أكثر احتمالًا.
كما أن زيادة استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بانتشار السمنة. فهذه الأطعمة سهلة التخزين والتوزيع، وغالبًا ما تكون أقل تكلفة نسبيًا، لذلك تنتشر بسرعة في الدول التي تعتمد على الاستيراد. لكنها غالبًا ما تحتوي على نسب مرتفعة من الملح والسكر والدهون المشبعة، ما يؤثر سلبًا على الوزن والصحة الأيضية على المدى الطويل.
قلة الحركة عامل مهم أيضًا. فمع التوسع الحضري، تراجعت أنماط الحياة التي كانت تعتمد على المشي أو العمل البدني، وازداد استخدام السيارات والحياة الجالسة. كما أن زيادة الوظائف المكتبية، وارتفاع وقت استخدام الشاشات، ونقص المساحات الآمنة للمشي كلها عوامل تسهم في انخفاض النشاط البدني.
وخاصة في الدول الجزرية أو الدول ذات المناخ الصحراوي، قد يكون الحفاظ على النشاط البدني اليومي أكثر صعوبة بسبب القيود البيئية. وعندما يتوافر الغذاء عالي السعرات بسهولة، ترتفع معدلات السمنة بسرعة.
تأثير العوامل الاقتصادية والثقافية والبيئية
السمنة ليست مجرد مسألة إرادة فردية، بل تتأثر بدرجة كبيرة بـالبنية الاقتصادية والثقافية والبيئية. فمع ارتفاع الدخل، قد يزداد استهلاك الطعام خارج المنزل، والوجبات الجاهزة، والأطعمة المصنعة، بينما قد يؤدي انخفاض الدخل أيضًا إلى الاعتماد على الأطعمة الرخيصة عالية السعرات بدلًا من الأغذية الصحية الطازجة. أي أن السمنة ليست مشكلة تخص الدول الغنية فقط.
إمكانية الوصول إلى الغذاء عامل مهم كذلك. ففي المناطق التي تكون فيها الخضروات والفواكه والأطعمة الغنية بالبروتين باهظة الثمن أو غير مستقرة التوافر، يسهل أن يستقر نظام غذائي مرتفع السعرات لكنه غير متوازن غذائيًا. والدول الصغيرة التي تعتمد على الاستيراد تكون أكثر عرضة لتقلبات الأسعار وسلاسل الإمداد الدولية.
ولا يمكن إغفال العوامل الثقافية. ففي بعض المجتمعات، كان يُنظر تاريخيًا إلى البنية الجسدية الكبيرة على أنها رمز للصحة والرخاء والاستقرار الاجتماعي. ورغم أن هذه النظرة تتغير بسرعة، فإن المعايير الاجتماعية المتعلقة بالغذاء والجسم لا تزال تؤثر في السلوك.
أما البيئة فهي متغير أساسي أيضًا.
- المناخ الحار قد يقلل من الأنشطة الخارجية.
- التخطيط الحضري إذا كان متمحورًا حول السيارات، فإنه يجعل المشي وركوب الدراجات أكثر صعوبة.
- نقص المرافق الرياضية يعيق النشاط المنتظم.
- الدول ذات الاكتفاء الذاتي الغذائي المنخفض قد تعتمد أكثر على الأغذية المصنعة المستوردة.
آثار السمنة على الصحة والمجتمع
السمنة لا تعني مجرد زيادة في الوزن، بل ترفع خطر الإصابة بعدة أمراض. ومن أبرزها السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والكبد الدهني، وانقطاع النفس أثناء النوم، وبعض أنواع السرطان. وترتبط السمنة البطنية بشكل خاص بالاضطرابات الأيضية.
ولا يقتصر العبء على صحة الفرد، بل يمتد إلى المجتمع أيضًا. فمع زيادة أعداد المصابين بالسمنة، تحتاج الأنظمة الصحية إلى تخصيص موارد أكبر لإدارة الأمراض المزمنة، وتزداد تكاليف العلاج الدوائي، والاستشفاء، والتعامل مع المضاعفات. كما يؤدي تراجع الإنتاجية، والوفاة المبكرة، والخروج من سوق العمل إلى خسائر اقتصادية إضافية.
وعلى المستوى الاجتماعي، تظهر الأعباء التالية:
- ارتفاع الإنفاق الصحي
- زيادة انتشار الأمراض المزمنة
- انخفاض الإنتاجية في العمل
- تدهور جودة الحياة
- تكرار سمنة الأطفال والمراهقين عبر الأجيال
وخاصة إذا ازدادت سمنة الأطفال، فإن خطر استمرار السمنة والأمراض المزمنة في مرحلة البلوغ يرتفع، ما يزيد العبء طويل الأمد على الصحة العامة.
كيف تتعامل الدول مع خفض معدلات السمنة
تتخذ كثير من الدول إجراءات لمواجهة السمنة عبر السياسات الضريبية، وتعزيز الملصقات الغذائية، وتحسين الوجبات المدرسية، وحملات الصحة العامة. ومن أبرز الأمثلة فرض ضرائب على المشروبات المحلاة بالسكر. ويُتوقع أن يساعد ذلك في تقليل الاستهلاك، ودفع الشركات إلى خفض محتوى السكر.
كما تعمل الحكومات على تعزيز ملصقات التحذير أو بيانات السعرات والسكر والصوديوم على واجهة العبوة، لمساعدة المستهلكين على اتخاذ قرارات أسهل. وفي المدارس، تُستخدم التوعية الغذائية للأطفال، وزيادة وقت النشاط البدني، وتقديم وجبات صحية بوصفها أدوات سياسة مهمة.
ومن أبرز أمثلة الاستجابة:
- فرض أو دراسة ضريبة على المشروبات المحلاة
- تقييد إعلانات الوجبات السريعة الموجهة للأطفال
- تشديد المعايير الغذائية للوجبات المدرسية
- تصميم مدن مناسبة للمشي وتوسيع المرافق الرياضية العامة
- تشغيل برامج مجتمعية لإدارة الوزن
- توسيع الاستشارة والتدخل المبكر بشأن السمنة في الرعاية الصحية الأولية
لكن سياسات السمنة قد لا تُظهر نتائج سريعة. فالعادات الغذائية وأنماط الحياة مرتبطة بعمق بالبنية الاجتماعية، ولذلك يتطلب تحقيق أثر ملموس نهجًا طويل الأمد ومتعدد المستويات.
ما الذي ينبغي التفكير فيه عند النظر إلى ترتيب معدلات السمنة
يُعد ترتيب معدلات السمنة مفيدًا لفهم مشكلات الصحة العالمية، لكنه لا يكفي وحده للمقارنة البسيطة بين الدول. فحتى مع تساوي المعدل، يختلف المعنى بحسب التركيب العمري، ومستوى التحضر، ونظام الغذاء، وإمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية، والخلفية الثقافية.
كما أن الدول المتصدرة لا تعاني جميعها من السبب نفسه. فبعضها يعتمد بشكل أساسي على الأغذية المصنعة المستوردة، بينما تكون المشكلة الأكبر في دول أخرى هي نمط الحياة المتمحور حول السيارات وقلة الحركة. لذلك، فإن الترتيب ليس سوى نقطة بداية، ويجب النظر أيضًا إلى السياق الاجتماعي والأسباب البنيوية الكامنة وراءه.
وفي النهاية، فإن معدل السمنة لا يعكس فقط مستوى الصحة في بلد ما، بل يعكس أيضًا نظام الغذاء، والبيئة الحضرية، والبنية الاقتصادية، ومستوى التعليم. وعند قراءة هذه الترتيبات، من المهم ألا نكتفي بالنظر إليها بوصفها وصمة، بل أن نسأل أيضًا لماذا ظهرت هذه النتائج، وما السياسات التي يمكن أن تكون مفيدة فعليًا.


